الاثنين 17 اغسطس 2009 , العدد 13011
جريدة كويتية يومية سياسية شاملة
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف


 

 

 

 



 

 




أنس الرشيد يروي قصة إعداد بيان الوفاة.. لحظة بلحظة

صباح الأحمد في أول اجتماع طارئ: اليوم.. أنعى لكم أباكم

أنس الرشيد
أنس الرشيد
أنس محمد الرشيد
نشر في : 15/01/2007 12:00 AM
بقلم: د. أنس محمد الرشيد
أيقظني رنين الهاتف في الثالثة والنصف فجر الأحد.. كان المتصل وكيل الاعلام في الديوان الاميري يوسف الرومي، وبلا مقدمات قال: دكتور.. الأمير توفي.
أغلقت الهاتف محاولا استيعاب الخبر، واذا بالشيخ أحمد الفهد على الخط الآخر: 'ياك الخبر'؟ قالها متسائلا، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: هل ستأتي إلى دسمان أم ستذهب إلى الوزارة؟ فأجبت: أنا في طريقي إلى دسمان. جلست لدقيقة أفكر في الطريقة التي يجب أن أتعاطى بها مع هذا المصاب الجلل لا سيما أن المتوفى هو أمير البلاد وقائدها. اتصلت بوكيل الاخبار الاخ طارق العجمي الذي كان معتادا أن يوقظني عند حدوث أمر ما ولكنني كنت المبادر بالاتصال هذه المرة. كنت أخشى أن يكون نومه ثقيلا فطلبت منه أن يغلق الهاتف ويتصل بي من باب الحرص، لم يكن الوضع يحتمل أي خطأ. وبالفعل.. لم تمض ثوان واذا به على خط الهاتف. ابلغته بالخبر وطلبت منه الاتجاه إلى مبنى التلفزيون وانتظار اشارتي من دسمان قبل قطع الارسال وبث القرآن الكريم.
كنت مطمئنا من استعداد وزارة الاعلام للتعاطي مع خبر بهذا الحجم، وكنا كأي مؤسسة إعلامية قد وضعنا خطة طوارئ منذ الاسابيع الاولى لتسلمي مهام الوزارة، وبذل وكيل الاخبار وفريقه جهودا كبيرة لا سيما أنهم كانوا يقومون بعمل المونتاج اللازم بعد منتصف الليل منعا للقيل والقال، ولكنني كنت مصدوما شأني كشأن الكثيرين من أبناء جيلي الذين لم يعرفوا سوى الأمير جابر الأحمد.
عشر دقائق طويلة
كان السكون يلف شوارع الكويت في ساعات الفجر الأولى، وكنت أفكر طوال الطريق إلى دسمان في كيفية ابلاغ الكويتيين بوفاة أميرهم؟
ماذا يعني فقدان القائد؟
وما دور الاعلام في ترجمة حالة الحزن إلى قيمة وطنية؟
ماذا عن الاشاعات؟
متى سيعود الشيخ صباح؟
كان التحدي الأول يكمن في ضرورة الاسراع في اذاعة الخبر قبل ذهاب الطلاب إلى مدارسهم والموظفين إلى مؤسساتهم، وعندما نضمن بقاء المواطنين في منازلهم نكون قد حميناهم من الاختناق في الشوارع التي قد تغلق لاستقبال الرؤساء والزعماء الذين سيأتون للقيام بواجب التعزية في الراحل الكبير. السبب الآخر لضرورة الاسراع في بث الخبر هو وجود سمو رئيس الحكومة آنذاك خارج الكويت وكان مهما في نظري اتباع اقصى درجات الشفافية في مثل هذه الظروف، فنحن في النهاية دولة مؤسسات. أما السبب الثالث للاسراع في بث الخبر فهو الخوف من أن يبث خبر بهذا الحجم من مؤسسة اعلامية غير كويتية.
استغرق الطريق إلى دسمان وقتا طويلا على الرغم من قرب المسافة.. وصلت إلى القصر واستأذنت في الدخول إلى 'الجوهرة' (سكن الأمير). كان الهدوء يلف المكان على الرغم من فداحة الخطب، وبدا الجميع متماسكا رغم شدة الحزن.
جلست مع الوزيرين محمد شرار والشيخ أحمد الفهد وشرعنا في كتابة بيان النعي على سمو رئيس مجلس الوزراء عبر الهاتف، ومن ثم توجهنا إلى حيث يجلس كبار رجالات الاسرة الكريمة حيث استشار الشيخ أحمد الفهد سمو الشيخ سالم العلي والعم الشيخ مبارك عبدالله الأحمد، وبعدها بدقائق قليلة انقطع البث العادي في تلفزيون واذاعة الكويت، وتوجهت إلى مبنى الوزارة ومعي بيان النعي الذي لا أزال محتفظا به بخط الشيخ أحمد الفهد.
اذاعة بيان الديوان الأميري
بعد دقائق قليلة من بث القرآن الكريم، كنت أذيع الخبر عبر تلفزيون واذاعة الكويت، وكانت الساعة تشير إلى السادسة وعشر دقائق. وكثيرا ما سألني طلبتي في جامعة الكويت: ما شعورك وانت تنعى أمير البلاد؟
وللحق أقول إنني ما وددت أبدا أن أكون في هذا الموقف ولكنني كنت الناطق الرسمي للدولة وكان علي أن أتحمل مسؤولياتي تجاه أميري. لم أكن أنعى أمير البلاد فقط، بل أن جابر الأحمد كان يجسد جيل الآباء الذين قامت البلاد على أكتافهم، وهؤلاء خسارتنا بهم كبيرة لأنهم لا يعوضون أبدا.
نظرت من نافذة مكتبي في الدور الثالث عشر فوجدت شوارع الكويت هادئة في صباح الخامس عشر من يناير، مع أن السيارات كانت تكتظ في الشارع المقابل في الأيام العادية.
عقدنا الاجتماع الأول في وزراة الاعلام لاتخاذ التدابير اللازمة. كانت لدينا عدة محطات يجب تغطيتها: المطار، قصر دسمان، قصر بيان، الموكب.. وأخيرا.. المقبرة. لم يكن لدينا في الوزارة تعريف واضح لحالة 'الحداد'، ومع ذلك اجتهدنا بأن لا تكون التغطية 'بكائية' وبعيدة عن المبالغة. كانت التغطية تتسق وشخصية الراحل الكبير.. جابر الاحمد.. القائد.. المتواضع.. الهادئ.
بيان مجلس الوزراء
بعد الاطمئنان للاستعدادات، جلست في المكتب أعد تقريرا لمجلس الوزراء عن رودود الافعال العربية والدولية، وعكفت على مراجعة بعض مواد الدستور وقانون توارث الامارة حتى حان موعد وصول سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الاحمد، حيث توجهنا إلى استقباله على أرض المطار.
وصل الشيخ صباح من سلطنة عمان وركب سيارته على الفور منطلقا إلى دسمان. كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها الشيخ صباح حزينا بهذا الشكل. لم يكن الراحل الكبير أميرا للشيخ صباح وحسب، بل كان أخاه الاكبر وصديقه وعضده. توجهنا إلى 'الجوهرة' في دسمان حيث التأم مجلس الوزراء في اجتماعه الطارئ هناك. لم يكن المكان هادئا هذه المرة كما تركته في ساعات الفجر الاولى، كان الحزن يخيم على المكان، وكانت سيارة الاسعاف تستعد في الخارج لتقل الراحل الكبير في موكبه الاخير.
'اليوم أنعي لكم أباكم'
بهذه الكلمات بدأ سمو الشيخ صباح الأحمد الاجتماع الذي لم يستمر طويلا. كانت بعض وسائل الاعلام قد بدأت الخوض في شؤون الحكم الكويتي، وأخذ بعض المواطنين -للأسف الشديد - في الاجتهاد بالتحليل والغوص بالنوايا، ولكن الرد أتى مسرعا من خلال البيان الثاني لمجلس الوزراء ذلك اليوم. تحدث أربعة وزراء كنت آخرهم، وبالرغم من أن مداولات مجلس الوزراء سرية، فانه يمكنني القول ان التاريخ سيسجل لسمو الشيخ صباح الاحمد التزامه الواضح والقاطع بنصوص الدستور وقانون توارث الامارة في ذلك اليوم العصيب.
اضطررت للاستئذان والخروج قبل انتهاء الاجتماع للتوجه إلى وزارة الاعلام مرة أخرى حيث قمت بإذاعة بيان مجلس الوزراء الذي نعى الأمير الراحل ونادى بولي عهده سمو الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح أميرا على البلاد، وبهذا نكون قد قطعنا دابر الاشاعة والتخمين.
الجنازة
اصطف الكويتيون والمقيمون على طوال الطريق المؤدي إلى المقبرة. كان الحزن عفويا وصادقا عند الناس. كان المنظر مهيبا.. سيارة الاسعاف تقل جثمان الامير الراحل محاطا برجال الحرس الأميري.كان كل شيء يسير حسب الخطة، ولكن الأمر كان يزداد صعوبة كلما اقتربنا من المقبرة، لأن مشاعر الناس العفوية حالت دون حسن التنظيم، ووسط هتافات التكبير، شيع الراحل الكبير إلى مثواه الاخير وسط مشاعر الحزن التي اجتاحت المكان.. كانت جنازة شعبية بكل المقاييس.
الأمير القدوة
كثيرة هي الاحداث التي مرت بها الكويت في عصر الأمير الراحل، ولربما كان هناك من هو أقدر مني على تحليل تلك الحقبة واستخلاص دروسها المستفادة، وخلال الأيام التي تلت الوفاة، حاولنا جاهدين أن نسلط الضوء على حياة الأمير جابر الأحمد، ولا أبالغ إن قلت ان الكثيرين من أبناء الجيل الشاب لم يعرفوا عن مناقب الأمير إلا بعد وفاته. وأظن أننا سنذكر دائما في جابر الأحمد هدوءه واتزانه، ومخافته لله جل وعلا، وحرصه على الوقت، وتغليبه العمل على الكلام، وبالتأكيد.. التواضع. اضف إلى ذلك أنه كان قدوة حسنة لنا ولأبنائه الكرام في احترام سيادة القانون.
ومازلت أذكر حين أديت القسم الدستوري أمام سموه، يرحمه الله، وكنت بمعية سمو الشيخ صباح الأحمد، حيث ناداني الأمير الراحل وقال لي مداعبا: 'تعال خل آخذ قضاي من أبوك منك'، وكان يقصد التعليق على معارضة والدي لسياسات الحكومة في مجالس الأمة التي تزاملا بها معا في ذلك الزمن الجميل الذي كان يعج بالرجال الأوفياء الصادقين الذين لا يخشون قول الحق، ولكنهم لا يفجرون في الخصومة، ولا يقطعون حبل الود وروح التآلف التي جبل عليها الكويتيون. كانوا يؤمنون فعلا بأن الكويت هي 'الوجود الثابت' ونحن 'الوجود العابر'.
رحم الله الأمير جابر الأحمد، ولنا في أبنائه خير خلف لخير سلف. وحفظ الله الكويت وشعبها في ظل حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وولي عهده الأمين.
 
أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf

التعليقات

نأمل، عزيزنا القارئ، أن تشاركنا في اقتراحاتك،وتعليقاتك، وأفكارك، ومواضيعك.
سنهتم بكل ما ترسله لنا، وسيحظى باهتمام ادارة التحرير، التي تنشر كل ما هو صالح للنشر.
ونشكر تعاونكم

 
    
    
البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
عدد الأحرف المتبقية :350